
في وقت تتحول فيه كلفة الطاقة إلى أحد العوامل المؤثرة مباشرة في قدرة المؤسسات التونسية على الإنتاج والمنافسة، تراهن الوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة على مشروع جديد يحمل اسم “شمس – CHEMS”، لدفع المؤسسات الصغرى والمتوسطة نحو إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية الفولطاضوئية للاستهلاك الذاتي.
أعلن المدير العام للوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة، نافع البكاري، اليوم الخميس 1 أكتوبر 2026، عن إطلاق البرنامج المدعوم من البنك الإفريقي للتنمية، مؤكدا أن آلياته التمويلية ستتيح للمؤسسات الصغرى والمتوسطة الاستثمار في الإنتاج الذاتي للكهرباء، بما يساعدها على التحكم في كلفة الطاقة وتعزيز قدرتها التنافسية.
ولا يأتي “شمس” كمشروع معزول عن المسار الذي بدأت تونس في رسمه منذ سنوات لتنويع مصادر الطاقة. فقد كان المشروع محل إعداد ومتابعة قبل إطلاقه الرسمي، ونظمت الوكالة في 6 أوت الماضي ورشة إطلاق جمعت ممثلين عن الوزارات المعنية والبنك الإفريقي للتنمية والشركة التونسية للكهرباء والغاز والمجلس البنكي والمالي والشركة التونسية للضمان، إلى جانب مؤسسات مالية ومكاتب دراسات وشركات ناشطة في مجال الطاقة الشمسية.
وثائق المشروع التي أعدتها الوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة بالتعاون مع البنك الإفريقي للتنمية تشير إلى أن انتشار حلول الطاقات المتجددة اللامركزية لدى المؤسسات يواجه عدة عوائق، من بينها محدودية خبرة بعض المؤسسات المالية في تقييم مشاريع الطاقة الشمسية، وارتفاع كلفة التمويل، فضلا عن اشتراط ضمانات قد تكون ثقيلة بالنسبة إلى المؤسسات الصغرى والمتوسطة. كما أن طبيعة الاستثمار في المنظومات الشمسية، التي تتطلب كلفة أولية قبل أن تبدأ في تحقيق وفورات في فاتورة الكهرباء، تجعل التمويل طويل الأجل عاملا حاسما في قرار المؤسسة.
ومن هنا تكمن أهمية “شمس”: فهو لا يقتصر، وفق التصور المعلن للمشروع، على تشجيع المؤسسات على تركيب الألواح الشمسية، وإنما يسعى إلى معالجة الحلقة التي طالما أعاقت توسع الاستثمار، أي كيفية تمويل المشروع وتحويله إلى استثمار قابل للتمويل البنكي.
وتتضمن مكونات المشروع تطوير منصة رقمية تساعد المؤسسات على تقييم استثمارات الطاقة الشمسية والحلول المالية المرتبطة بها. كما يستهدف المشروع تعزيز قدرات المؤسسات المالية المشاركة حتى تصبح أكثر قدرة على دراسة وتمويل مشاريع الطاقات المتجددة، مع تبسيط النفاذ إلى الحوافز المرتبطة بصندوق الانتقال الطاقي.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تظهر فيه مؤشرات على توسع سوق الطاقة الشمسية في تونس. فبحسب المعطيات التي قدمها المدير العام للوكالة اليوم، تجاوز عدد المنظومات الشمسية المركزة في إطار برنامج “PROSOL ELEC” على شبكة الجهد المنخفض 150 ألف منظومة، بقدرة جملية تناهز 466 ميغاواط إلى موفى أفريل 2026. كما أسفرت نتائج الجولة السادسة من نظام التراخيص، في سبتمبر، عن قبول 309 مطالب لإنجاز مشاريع شمسية بقدرة إجمالية تقارب 455 ميغاواط.
لكن ارتفاع عدد المشاريع لا يعني أن الانتقال الطاقي أصبح أمرا تلقائيا. فالتحدي الحقيقي بالنسبة إلى المؤسسات هو الانتقال من الرغبة في اعتماد الطاقة الشمسية إلى القدرة الفعلية على تمويلها وتنفيذها. وهذا بالضبط ما يحاول “شمس” معالجته.
وتكشف وثائق المشروع أن تونس تستهدف، في إطار استراتيجيتها للانتقال الطاقي، رفع حصة الطاقات المتجددة في مزيج الكهرباء إلى 35 بالمائة في أفق 2030، بالتوازي مع خفض الطلب على الطاقة الأولية بنسبة 30 بالمائة وتقليص كثافة الكربون بنسبة 41 بالمائة. ويشكل الإنتاج الذاتي من الطاقات المتجددة أحد المسارات المعتمدة لتحقيق هذه الأهداف.
اقتصاديا، قد تكون المؤسسات الصغرى والمتوسطة من أكثر الفئات استفادة من هذا التحول إذا نجح البرنامج في إزالة عقبة التمويل. فبالنسبة إلى مؤسسة تستهلك كميات مهمة من الكهرباء، لا تمثل المنظومة الشمسية مجرد خيار بيئي، وإنما يمكن أن تصبح استثمارا في خفض جزء من كلفة التشغيل على المدى الطويل. ومن شأن استقرار جزء من كلفة الطاقة أن يساعد المؤسسة على تحسين قدرتها على التخطيط، خصوصا في القطاعات التي تمثل فيها الكهرباء نسبة مهمة من مصاريف الإنتاج.
أما بيئيا، فإن توسع الإنتاج الذاتي من الطاقة الشمسية يمكن أن يدعم تقليص الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية ويزيد مساهمة الطاقات المتجددة في المنظومة الكهربائية. وتشير وثائق “شمس” إلى أن المشروع صمم للمساهمة في خفض الانبعاثات وتعزيز حصة الطاقات المتجددة في تونس.
غير أن نجاح البرنامج سيقاس في النهاية بما سيصل فعليا إلى المؤسسات، وليس بعدد الاجتماعات أو المنصات التي يتم إطلاقها. فالمؤسسة الصغرى تحتاج إلى إجراءات واضحة، وتمويل يمكن الوصول إليه، وضمانات معقولة، ومرافقة فنية، وآجال تنفيذ لا تعطل نشاطها.
وفي هذا السياق، تبدو المرحلة المقبلة حاسمة. فقد شدد المدير العام للوكالة على ضرورة تبسيط الإجراءات الإدارية وتسريعها، بالتوازي مع تطوير الشبكات حتى تصبح قادرة على استيعاب المزيد من الطاقات المتجددة. كما أشار إلى تحديات جديدة بدأت تفرض نفسها، بينها تخزين الطاقة والتنقل الكهربائي والشبكات الذكية والربط الطاقي الإقليمي.
وبذلك، فإن “شمس” لا يطرح فقط سؤال: هل تستطيع المؤسسة التونسية إنتاج كهربائها من الشمس؟ بل يطرح سؤالا أكثر ارتباطا بالواقع الاقتصادي: هل يمكن جعل الاستثمار في الطاقة الشمسية متاحا ماليا بالقدر الكافي حتى يصبح خيارا عاديا داخل المؤسسة؟
الإجابة ستتحدد خلال مرحلة التنفيذ. فإذا نجح البرنامج في ربط المؤسسة بالتمويل والخبرة والحوافز في مسار واضح، فقد يتحول “شمس” من مشروع لدعم الطاقة الشمسية إلى أداة لتغيير علاقة المؤسسات التونسية بالطاقة، من مستهلكة لفاتورة الكهرباء إلى منتجة لجزء من حاجياتها، بما يجمع بين خفض الكلفة ودعم الانتقال نحو اقتصاد أقل اعتمادا على الطاقة التقليدية.



