
تتجه الأنظار يومي 22 و23 سبتمبر الجاري إلى قمرت، حيث تحتضن تونس مؤتمر “أيام الموانئ” (Seaports Days)، في لقاء يجمع مسؤولين تونسيين بخبراء من القطاع الخاص الأمريكي وممثلين عن مؤسسات مالية أمريكية ودولية، لبحث مستقبل الموانئ والنقل البحري وفرص تطوير هذا القطاع.
من تنظيم سفارة الولايات المتحدة الأمريكية بتونس، يشارك في هذا المؤتمر ممثلون عن عدد من الهياكل التونسية المعنية بالنقل البحري والموانئ، من بينها الإدارة العامة للنقل البحري بوزارة النقل، وديوان البحرية التجارية والموانئ، وشركة ميناء النفيضة، والشركة التونسية للملاحة، والشركة التونسية للشحن والترصيف.
ولا يبدو اختيار قطاع الموانئ محورا لهذا اللقاء اعتباطيا، فالموانئ تمثل إحدى حلقات الاقتصاد التونسي الأكثر ارتباطا بالتجارة الخارجية. ويؤكد البنك الدولي أن تحسين الربط المينائي وتقليص آجال بقاء البضائع يمكن أن يرفع الناتج الداخلي الخام لتونس بنسبة تتراوح بين 4 و5 بالمائة خلال ثلاث إلى أربع سنوات، وفق تقديراته الواردة في تقرير نشر سنة 2025.
موانئ تتحرك.. وتحديات لا تزال قائمة
تأتي “أيام الموانئ” في وقت سجلت فيه الموانئ التجارية التونسية مؤشرات تحسن خلال سنة 2025. ووفق ديوان البحرية التجارية والموانئ، ارتفع عدد الحاويات المتداولة، باستثناء ميناء الصخيرة، بنسبة 9 بالمائة ليبلغ 538 ألفا و692 حاوية مكافئة لعشرين قدما، مقابل 491 ألفا و973 حاوية سنة 2024.
كما ارتفعت حركة البضائع العامة بنسبة 7 بالمائة، وحركة السيارات الجديدة بنسبة 9 بالمائة، فيما بلغ النشاط الجملي للموانئ التجارية، باستثناء الصخيرة، نحو 23 مليون طن مقابل 22.9 مليون طن في السنة السابقة.
هذه الأرقام تعكس حركية القطاع، لكنها في الوقت نفسه تبرز الحاجة إلى مواصلة الاستثمار في البنية التحتية والتجهيزات والخدمات، خاصة مع تطور متطلبات التجارة الدولية وارتفاع أهمية عامل السرعة والنجاعة في سلاسل الإمداد.
ويعمل ديوان البحرية التجارية والموانئ، وفق معطياته الرسمية، على برنامج استثماري يتضمن تطوير البنية الأساسية وتعزيز السلامة والأمن والنجاعة الطاقية ورقمنة الخدمات، إلى جانب اقتناء ست جرارات بحرية ذات تقنيات متطورة. كما يجري إعداد استراتيجية لتطوير الموانئ في إطار المخطط المديري للموانئ في أفق 2040.
من الميناء التقليدي إلى “الميناء الذكي”
ومن أبرز الملفات التي سيقع مناقشتها خلال المؤتمر، بحسب الجهة المنظمة، رقمنة الموانئ وتطوير أنظمة التفتيش والأمن، إلى جانب التعريف بالتكنولوجيات الأمريكية في مجال “الموانئ الذكية”.
وتكتسب الرقمنة أهمية متزايدة في هذا المجال، باعتبار أن الميناء لم يعد مجرد رصيف تستقبل فيه السفن وتفرغ البضائع. فكل دقيقة إضافية تقضيها السفينة أو الحاوية داخل الميناء تنعكس في النهاية على كلفة التجارة وعلى قدرة المؤسسات على المنافسة.
ولهذا يوصي البنك الدولي، ضمن مقاربته لتطوير منظومة الموانئ التونسية، بتحديث الأنظمة الرقمية وتحسين تجهيزات الموانئ وربطها بشكل أفضل بشبكات النقل والسكك الحديدية، إلى جانب معالجة الاختناقات المرتبطة بالإجراءات الجمركية واللوجستية.
النفيضة.. مشروع حاضر في النقاش
ومن الملفات التي تفرض نفسها في أي نقاش حول مستقبل الموانئ التونسية مشروع ميناء المياه العميقة والمنطقة اللوجستية بالنفيضة.
وكانت وزارة النقل قد عقدت في مارس 2025 جلسة عمل خصصت لمتابعة الإجراءات الكفيلة بتسريع إنجاز المشروع، مؤكدة أنه يندرج ضمن تصور لإنشاء ميناء من الجيل الجديد يستجيب للمعايير الدولية في الجودة والسلامة والبيئة، ويمكن أن يدعم موقع تونس كبوابة نحو الأسواق الإفريقية.
وتدرج وزارة النقل المشروع ضمن أبرز مشاريعها في مجال اللوجستيك والنقل البحري، إلى جانب تطوير محطة الحاويات بميناء رادس وإنشاء مناطق لوجستية مرتبطة بالموانئ.
التكنولوجيا والتمويل.. وجهان لرهان واحد
ولا يقتصر مؤتمر “أيام الموانئ” على الجانب التقني. فحضور مؤسسات مالية أمريكية ودولية يضع مسألة تمويل مشاريع البنية التحتية وتجديد الأسطول البحري في قلب النقاش.
وبالنسبة إلى تونس، فإن تطوير الموانئ لا يرتبط فقط ببناء أرصفة جديدة أو اقتناء معدات، بل يحتاج أيضا إلى استثمارات طويلة المدى، وحلول تمويل قادرة على مواكبة مشاريع مكلفة ومعقدة، إلى جانب تطوير الإطار اللوجستي والرقمي المحيط بها.
وبذلك، قد يكون الرهان الحقيقي للمؤتمر هو الانتقال من تبادل الخبرات إلى البحث عن فرص تعاون ملموسة بين المؤسسات التونسية والشركات والجهات التمويلية الأمريكية والدولية.
ففي النهاية، لا تقاس قوة الميناء بعدد الأرصفة والسفن التي يستقبلها فقط، وإنما أيضا بمدى سرعة معالجة البضائع، وجودة الخدمات، ومستوى الأمان، وقدرته على الاندماج في شبكات التجارة العالمية. وهي الملفات التي ستكون، خلال يومين في قمرت، على طاولة النقاش بين تونس وشركائها الأمريكيين والدوليين.



