
تونس – بين تحديات التغيرات المناخية وشحّ المياه وضغوط الأمن الغذائي، تستعد تونس لاحتضان الدورة السادسة عشرة للصالون الدولي للاستثمار الفلاحي والتكنولوجيا “SIAT 2026″، تحت شعار “نستثمر في فلاحة متأقلمة وذكية لنبني سيادة غذائية” و ذلك من 28 إلى 31 أكتوبر الجاري بقصر المعارض بالكرم. ويطرح الموعد، الذي تنظمه وكالة النهوض بالاستثمارات الفلاحية، سؤالا يتجاوز عرض الابتكارات: إلى أي مدى يمكن تحويل التكنولوجيا والتمويل والشراكات إلى حلول ملموسة لأزمات القطاع الفلاحي؟
وتكشف معطيات الندوة الصحفية المنعقدة يوم 22 أكتوبر عن مشاركة 155 عارضا من تونس و11 دولة أجنبية، في تظاهرة تجمع المستثمرين والمهنيين والباحثين والمؤسسات الناشئة. ويعكس البرنامج توجها نحو ربط البحث العلمي بالاستثمار، من خلال منتدى دولي حول التمويل المناخي، وورشات تتناول تحلية المياه الجوفية والزراعات المائية وتثمين الموارد الطبيعية، فضلا عن نهائي الدورة الرابعة لمناظرة “GREEN’TIC”، المخصصة للحلول الرقمية والذكاء الاصطناعي في المجال الفلاحي.
من الاستثمار المستدام إلى الفلاحة المتأقلمة
لا يمكن فهم رهانات الدورة الحالية بمعزل عن مسار الصالون. ففي دورة 2022، حملت التظاهرة شعار “الاستثمار الذكي من أجل تنمية مستدامة”، واهتمت بالتكنولوجيات الحديثة والبحث العلمي والشراكات الدولية، إلى جانب المسابقة الوطنية “GREEN’TIC”. أما دورة 2024، الخامسة عشرة، فاختارت شعار “الابتكار من أجل استثمار صامد وشامل ومستدام”، مؤكدة أهمية الابتكار في تطوير مختلف حلقات الإنتاج والتحويل والتسويق.
وتبرز المقارنة تطورا في الخطاب والأولويات: من الاستثمار الذكي والتنمية المستدامة، إلى الاستثمار الصامد والشامل، وصولا إلى فلاحة متأقلمة وذكية مرتبطة صراحة بالسيادة الغذائية. فالمسألة لم تعد تقتصر على تحديث المعدات أو تحسين الإنتاجية، بل أصبحت تتعلق بقدرة المنظومة الفلاحية على التكيف مع المناخ، وترشيد الموارد، وتعزيز استدامة الإنتاج.
وتكشف أرقام دورة 2024 عن قاعدة مشاركة مهمة، إذ سجل الموقع الرسمي للصالون أكثر من 180 عارضا، و15 ألف زائر، وأكثر من 30 مؤتمرا وورشة، إلى جانب أكثر من 60 لقاء شراكة. وبالمقارنة مع 155 عارضا معلنا لدورة 2026، يبدو حجم المشاركة المعلن أقل من حصيلة الدورة السابقة. غير أن هذا الفارق لا يكفي وحده للحكم على تراجع التظاهرة، في غياب أرقام نهائية ومتكاملة حول عدد الزوار والمساحة المحجوزة واللقاءات الاستثمارية والنتائج الاقتصادية للدورة الجديدة.

الذكاء الاصطناعي والمياه والتمويل: اختبار الجدوى
يمنح إدراج الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الرقمية ضمن “GREEN’TIC” بعدا عمليا للصالون، خصوصا إذا نجحت المشاريع المشاركة في تقديم حلول قابلة للتطبيق لدى الفلاحين، لا مجرد نماذج تقنية معروضة. كما يكتسب منتدى التمويل المناخي أهمية خاصة، لأن الابتكار لا يتحول إلى أثر اقتصادي من دون تمويل متاح، وتأطير فني، وقدرة على تعميم الحلول، ولا سيما لدى صغار المنتجين.
وتكتسي الشراكة التونسية السنغالية أهمية في توسيع التعاون الفلاحي جنوبا، وفتح المجال أمام تبادل الخبرات واستكشاف أسواق جديدة. لكن قيمة هذه اللقاءات ستقاس بما ينتج عنها من اتفاقيات ومشاريع فعلية، لا بمجرد انعقادها.
النجاح الحقيقي يبدأ بعد إغلاق الأبواب
يمتلك “SIAT 2026” فرصة لتعزيز موقع تونس في مجال الابتكار والاستثمار الفلاحي، غير أن نجاحه لن يتأكد بعدد الأجنحة أو تنوع الوفود وحدهما. فالرهان الحقيقي هو تحويل التوصيات والابتكارات إلى استثمارات منتجة، وحلول مائية قابلة للتطبيق، وفرص عمل، وتحسين ملموس في قدرة الفلاح التونسي على مواجهة المخاطر المناخية.
ومن هنا، فإن السيادة الغذائية التي يرفعها شعار الدورة ليست مجرد عنوان جذاب؛ إنما هي معيار النجاح الذي ينبغي أن تقاس به نتائج الصالون، وأن تتواصل متابعته بعد انتهاء فعالياته.



