من فلكلور الهند إلى طرب الشرق… «مرايا الفنون» تحوّل القلعة الكبرى إلى عاصمة الإبداع


للمهرجانات الصيفية عادة إيقاعها الخاص: جمهور يبحث عن سهرة، وركح ينتظر فنانا، ومدينة تستعيد في ليالي الصيف شيئا من حركتها. لكن بعض التظاهرات تختار أن تذهب أبعد من ذلك، فتجعل من تنوع البرمجة عنوانا لها، ومن المدينة فضاء تتلاقح فيه الفنون.
تبدو هذه الفكرة حاضرة في الدورة 11 من المهرجان الصيفي “مرايا الفنون”، الذي تنظمه جمعية إشراق للثقافة والفنون بدعم من المندوبية الجهوية للشؤون الثقافية بسوسة . فبين وهج الأضواء على ركح دار الثقافة وصخب النقاش في قاعة الندوات، ستعيش مدينة القلعة الكبرى، من 14 إلى 22 أوت الجاري، نبض دورة جديدة من مهرجان “مرايا الفنون”، التي أثبتت أن المهرجانات الصيفية في تونس لم تعد تقاس بعدد العروض فحسب، بل بقدرتها على أن تكون فضاء للفكر بقدر ما هي فضاء للفرجة.
من الساكسوفون إلى الطبول الهندية
تفتتح الدورة بأمسية موسيقية تحمل توقيع عازف الساكسوفون سيف الدين معيوف، افتتاح موسيقي يضع الآلة في الواجهة ويمنح الجمهور بداية مختلفة لأسبوع المهرجان. أما ختام الفعاليات فيكون موعدا مع الطرب الأصيل، حين تعتلي المطربة آية دغنوج ركح مسرح الهواء الطلق، ليختتم المهرجان بنفس يعيد للجمهور ذاكرة الأغنية التونسية.
بين هذين القطبين، تتنوع البرمجة بين المسرح والسينما: مسرحية “IMPASSE” لشركة “تراجيدي” الصفاقسية، قبل أن يحمل برنامج الأحد 16 أوت الجمهور إلى ضفة ثقافية أخرى مع العرض الفلكلوري الهندي الذي تقدمه فرقة Group Dance Folk Gujarat لتمنح الجمهور فرصة لمشاهدة تقاليد فنية تنتمي إلى بيئة وثقافة مختلفتين، وتوسع، في الوقت نفسه، مساحة المهرجان خارج المألوف.
بعد المسرح والفلكلور، تأتي السينما يوم 17 أوت مع الفيلم التونسي «صاحبك راجل» للمخرج قيس شقير، في عمل يجمع بين الأكشن والكوميديا والرومانسية.
ليلة الشعر… حين تعانق القافية التونسية العود العراقي
و لا يقتصر البعد الأدبي للمهرجان على فقرة عابرة، بل يتجسد في أمسية شعرية تجمع أسماء بارزة من المشهد الشعري التونسي والعربي: المنصف المزغني، عمر دغرير، لطفي المثلوثي، فتحي النصري، إلى جانب الشاعر الأردني محمد نور الغرابية، والشاعر الشعبي مبروك عبد المولى.
تدير الأمسية الإعلامية عروسية بوميزة، فيما يرافق الشعراء العازف العراقي محمد زكي درويش على آلة العود، في مشهد تبدو فيه القوافي التونسية وكأنها تحاور اللحن العراقي، مانحة السهرة بعدا عربيا يتجاوز الحدود المحلية.
ويمتد الحضور الأدبي إلى مساء الجمعة 21 أوت، مع سهرة “مرايا الكتاب” التي تُنظم بالتعاون مع جمعية علوم وتراث، تأكيدا على أن القراءة تبقى، من وجهة نظر منظمي المهرجان، الرافد الأول لأي فعل ثقافي متكامل.
طرب الشرق… حين تعود الذاكرة إلى النغم
بعد أن يجوب المهرجان بين الفنون والتجارب، يعود إلى الموسيقى يوم الخميس 20 أوت، لكن هذه المرة عبر بوابة الموسيقى العربية.
وتقدم مجموعة الشرق للموسيقى العربية بسوسة سهرة فنية نسائية تستعيد أجواء الطرب الشرقي، في موعد يراهن على النغم الأصيل وعلى علاقة الجمهور التونسي بذاكرة الأغنية العربية.
وإذا كان المهرجان قد اختار في بدايته الساكسوفون، وفتح في منتصفه نافذة على الفلكلور الهندي، فإنه يعود هنا إلى موسيقى أكثر التصاقا بالذاكرة الوجدانية للجمهور.
معرض تشكيلي “مقيم” في بهو دار الثقافة
على خلاف المعارض التي تقام ليوم واحد ثم تطوى، تختار إدارة المهرجان أن تجعل من الفن التشكيلي حضورا يوميا ثابتا في بهو دار الثقافة، حيث يعرض كل من سمير بن علية، سنية خليفة، لطفي بن صالح، فراس بن علية، نجيب بوقشة، وفراس العابد أعمالهم أمام زوار المهرجان طيلة أيام التظاهرة، في تجربة بصرية موازية لبقية الأنشطة.
“مستقبل العربية بين لغات العالم”.. حين يتحول المهرجان إلى منبر فكري
تشكّل الندوة الختامية، يوم السبت 22 أوت، أبرز محطات هذه الدورة على الإطلاق. فتحت عنوان “مستقبل العربية بين لغات العالم”، وبرئاسة الروائية والأكاديمية أميرة غنيم، تنعقد ندوة فكرية تطرح سؤالا جوهريا: أين تقف اللغة العربية اليوم وسط ما بات يعرف بـ”حروب اللغات”؟
تنطلق النقاشات من فرضية مركزية مفادها أن اللغة ليست مجرد أداة تواصل بريئة، بل ساحة صراع ونفوذ. وتتوزع المداخلات على أربعة محاور متكاملة:
- الوزير الأسبق للشؤون الثقافية الدكتور وليد الزيدي، الذي يعود بالحضور إلى الجذور النهضوية للسؤال اللغوي من خلال مداخلة بعنوان “العربية في فكر طه حسين”.
- الروائية آمنة الرميلي، التي تفكك “حدود الهيمنة في الخطاب الإشهاري التونسي”، كاشفة كيف تتسلل اللغات الأجنبية إلى الفضاء العام اليومي.
- الأستاذ سمير السحيمي، الذي يتناول العلاقة الجدلية بين “الإبداع واللسان والبيان”.
- الأستاذ محمد القاضي، الذي يختم الندوة بورقة استشرافية تحمل عنوان “مستقبل العربية في خضم حروب اللغات”.
ويخلص المتدخلون إلى أن اللغة العربية، بما تملكه من طاقة اشتقاقية غنية، قادرة على أن تصبح لغة علمية بامتياز، شرط توفر إرادة سياسية وثقافية حقيقية للدفاع عن سيادتها اللغوية في مواجهة الهيمنة الكونية للغات الكبرى.
الصادق بلعيد… لحظة وفاء في قلب البرنامج
تحمل هذه الدورة أيضاً لحظة وفاء خاصة، حين يحتفي المهرجان بالعميد الصادق بلعيد، الأستاذ الجامعي والقانوني ذو الإشعاع الدولي، وابن مدينة القلعة الكبرى.
ويشهد حفل التكريم، الذي يحتضنه قصر البلدية، حضورا رسميا وعائليا واسعا. ويلقي مدير المهرجان عبد الحكيم بلعيد كلمة يؤكد فيها على أهمية الرموز الفكرية والعلمية في إشعاع المدينة، فيما تلقي الأستاذة سناء بلعيد كلمة مؤثرة نيابة عن العائلة. وتحضر المندوبة الجهوية للشؤون الثقافية جليلة العجبوني الحفل، الذي يتجاوز طابعه البروتوكولي ليتحول إلى رسالة موجهة للأجيال الشابة مفادها أن التميز يبدأ من التشبث بالجذور دون الانغلاق عن العالم.
مهرجان يراهن على التنوع
من السهل أن تقاس المهرجانات بعدد عروضها أو أسماء المشاركين فيها، لكن قيمة البرمجة تقاس أيضا بقدرتها على صناعة مسارات مختلفة داخل التظاهرة نفسها.
في «مرايا الفنون»، ينتقل الجمهور من فلكلور الهند إلى طرب الشرق، ومن المسرح إلى السينما، ومن القصيدة إلى الكتاب، ومن اللوحة إلى الندوة الفكرية. وهذا التنوع هو الذي يمنح الدورة شخصيتها، ويجعل من القلعة الكبرى، على امتداد أيام المهرجان، نقطة لقاء بين فنون وذاكرات وأصوات مختلفة.
قد لا يكون الرهان هنا على تقديم مهرجان صاخب بقدر ما هو على تقديم مهرجان متنوع؛ مهرجان يعرف أن الجمهور ليس كتلة واحدة، وأن للمدينة أكثر من ذائقة وأكثر من سؤال.
فمن فلكلور الهند إلى طرب الشرق، ومن القصيدة إلى اللوحة، ومن الركح إلى قاعة الندوة، تشرع القلعة الكبرى أبوابها للإبداع، لتقول إن المهرجان لا يقاس فقط بما يحدث فوق الخشبة، وإنما بما يتركه في المدينة وفي ذاكرة جمهورها.












